الفيض الكاشاني

273

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

* ( بيان كفّارة الغيبة ) * اعلم أنّ الواجب على المغتاب أن يندم ويتوب ويتأسّف على ما فعله ليخرج به عن حقّ اللَّه ثمّ يستحلّ المغتاب ليحلَّه فيخرج عن مظلمته وينبغي أن يستحلَّه وهو حزين متأسّف نادم على ما فعله إذ المرائي قد يستحلّ ليظهر من نفسه الورع وفي الباطن لا يكون نادما فيكون قد قارف معصية أخرى ، وقيل : يكفيه الاستغفار دون الاستحلال وربّما يحتجّ في ذلك بما روي عن النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أنّه قال : « كفّارة من اغتبته أن تستغفر له » ( 1 ) وقال مجاهد : كفّارة أكلك لحم أخيك أن تثني عليه وتدعو له بخير . وسئل بعضهم عن التوبة عن الغيبة فقال : تمشي إلى صاحبك وتقول : كذبت فيما قلت ، وظلمت وأسأت فإن شئت أخذت بحقّك وإن شئت عفوت ، وهذا هو الأصحّ . وقول القائل : « العرض لا عوض له فلا يجب الاستحلال منه بخلاف المال » كلام ضعيف إذ قد وجب في العرض حدّ القذف وتثبت المطالبة به بل في الحديث الصحيح ما روي أنّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قال : « من كانت لأخيه عنده مظلمة في عرض أو مال فليستحللها منه من قبل أن يأتي يوم ليس هنا لك دينار ولا درهم إنّما يؤخذ من حسناته فإن لم تكن له حسنة أخذ من سيّئات صاحبه فزيدت على سيّئاته » ( 2 ) . أقول : الكلام الصحيح الجامع بين الأخبار والأقوال الواردة في هذا الباب ما قاله الصادق عليه السّلام أنّه « إن اغتبت فبلغ المغتاب فاستحلّ منه وإن لم تبلغه فاستغفر اللَّه له » ( 3 ) وذلك لأنّ في الاستحلال مع عدم البلوغ إليه أثارة للفتنة وجلب للضغاين وفي حكم من لم يبلغه من لم يقدر على الوصول إليه بموت أو غيبة . قال أبو حامد : فإن كان غائبا أو ميّتا فينبغي أن يكثر الاستغفار له والدّعاء ويكثر من الحسنات فإن قلت : فالتحليل هل يجب ؟ فأقول : لا لأنّه نوع تبرّع والتبرّع فضل وليس بواجب ولكنّه مستحسن وسبيل المعتذر أن يبالغ في الثناء

--> ( 1 ) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت بسند صحيح عن أنس كما في الجامع الصغير . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند ج 2 ص 506 من حديث أبي هريرة . ( 3 ) مصباح الشريعة الباب التاسع والأربعون .